الخلفية
أنا إربلينا بونياكو، ونشأت في قرية صغيرة بالقرب من بريشتينا، في كوسوفو. كنت تلك الفتاة التي تركب الحافلة من الريف إلى المدينة كل يوم لتذهب إلى مدرسة تحمل اسماً طويلاً ومحدداً جداً: الجمنازيوم الرياضي المتخصص. كانت مدرسة بُنيت لتسد الفجوة أمام الطلاب الذين أرادوا التعمق في الرياضيات المتقدمة منذ وقت مبكر، لكن الانتقال من مدرسة ريفية كان صدمةً حقيقية.
في مدرستي القديمة، كانت العلوم مجرد أربعة جدران وسبورة. لم تكن لدينا مختبرات أو تقنيات. كانت الأحياء والكيمياء أموراً تحفظها من كتاب، مفاهيم مجردة وبعيدة تماماً. لم تكن لديّ تجربة مع مدرسين خاصين أو دورات إضافية كما كان الحال مع زملائي. كانت لديّ فقط المعرفة التي اكتسبتها من المدرسة الحكومية في مبنى قديم متهالك. لكن كان بداخلي رغبة خفية في رؤية العالم. كنت أقرأ قصص الطلاب الذين نجحوا في دخول أفضل الجامعات، وأردت أن تكون تلك قصتي أيضاً.
إيجاد الطريق إلى إدنبرة
حين حان وقت التقدم للجامعة، نظرت في كل الخيارات. تقدمت إلى جامعات كبيرة في الولايات المتحدة مثل ميشيغان ستيت وأريزونا ستيت، وحتى الجامعة الأمريكية في باريس. لكن إدنبرة كانت دائماً في قلبي. جزء من ذلك كان عملياً: إنها بلد ناطق بالإنجليزية وأقرب بكثير إلى المنزل مقارنةً بالولايات المتحدة. لكن الأهم كان يتعلق بالرياضيات. في كوسوفو، كان قسم الرياضيات يفتقر إلى التطبيقات المتقدمة والواقعية التي أردت دراستها.
أتذكر أنني كنت جالسةً في غرفة المعيشة في منتصف مايو. كان الوقت متأخراً في موسم التقديم، لذلك حين رأيت إشعاراً يفيد بوجود تحديث في النظام، لم أرد حتى فتحه. ظننت أنهم يرسلون رسائل الرفض فقط. انتظرت ثلاث ساعات أحدق في هاتفي، حتى لم أستطع الصبر أكثر. دخلت إلى النظام ورأيت الكلمة: "تهانينا". لم يبدُ الأمر حقيقياً حتى أرسلت إليّ كلية الرياضيات ذاتها بريداً إلكترونياً في وقت لاحق من ذلك اليوم.
وعد تم الوفاء به
شغفي بالرياضيات بدأ حقاً مع معلمي في المرحلة الابتدائية. كان أول شخص يجعلني أفهم حقاً جمال الأرقام. للأسف، حين كنت في الصف السادس، تم تشخيصه بالسرطان. وتوفي في نهاية صفي السابع.
قبل وفاته، سألني ماذا أريد أن أفعل بحياتي. أخبرته بأنني أريد الالتحاق بثانوية رياضية، رغم أن أحداً من مدرسة قريتنا لم يذهب إلى هناك من قبل. نظر إليّ وقال إنني سأنجح.
يوم حصولي على عرض القبول من جامعة إدنبرة كان في الثامن عشر من مايو. وهو تاريخ ذكرى وفاته تماماً. شعرت أن ذلك كان إشارة. كان هذا اليوم حزيناً بالنسبة لي من قبل، أما الآن فقد أصبح يوم احتفال.
حقيقة التسلق
كانت الثانوية صعبة في البداية. كنت محاطةً بـ"أبطال الأولمبياد الرياضي" الذين كانوا يأخذون دورات إضافية لسنوات. في فصلي الدراسي الأول، شعرت بتأخر كبير لدرجة أنني كدت أنتقل إلى مدرسة علمية عادية. تغير كل شيء حين أعاد أستاذ التوافيق درجاتنا. كنت الشخص الوحيد في الفصل الذي حصل على خمسة من خمسة.
كان ذلك اللحظة التي أدركت فيها أن العمل الجاد يمكنه فعلاً تضييق الفجوة بيني وبين الأطفال الذين لديهم موارد أكثر. في النهاية، وجدت إيقاعي وحصلت على أعلى الدرجات في كل شيء، من التحليل الحقيقي إلى الجبر. لم أكن بارعةً في إدارة الوقت آنذاك. في الواقع، فاتني SAT لأنني كنت مثقلةً جداً بالمواعيد النهائية، لكنني ركزت على ما أستطيع التحكم به. حققت 8.0 في IELTS و102 في TOEFL، وحافظت على معدل تراكمي مثالي 5/5.

إحداث أثر خارج الفصل الدراسي
شعرت دائماً أن المعرفة تُهدر إن لم تستخدمها لمساعدة مجتمعك. من أفضل مشاريعي في الثانوية كان الفوز بمنحة من اليونيسف لإنشاء نادٍ علمي. عدت إلى مدرستي الإعدادية القديمة لإدارة أسبوع STEM للفتيات هناك. أردت أن يرين أن النشأة في قرية لا تعني أن يبقى عالمك صغيراً.
دخلت أيضاً عالم الشركات الناشئة مبكراً. شاركت في تأسيس مشروع يسمى Greenergy في مركز الابتكار في كوسوفو. على الرغم من أنني كنت دون الثامنة عشرة من عمري ولم أكن أستطيع قانونياً تسجيل أعمال تجارية بعد، أرشدونا إلى كيفية توسيع نطاق أفكارنا. في نهاية المطاف فزنا بمنحة بقيمة 20,000 يورو لمواصلة نموها.
قمت أيضاً ببعض العمل التطوعي كمترجمة للغة الإنجليزية، إضافةً إلى ممارسة الكاراتيه حتى ذهابي إلى الكلية، حيث لم يتسنَّ لي للأسف الوقت لمواصلة ذلك.
تعلمت الكثير عن القيادة من خلال هذه المشاريع. كنت أعاني من العمل مع الأصدقاء في السابق، لكنني تعلمت كيف أنتقل إلى الوضع المهني حين يبدأ العمل. في الوقت ذاته، أحاول الحفاظ على تعاطفي. إذا لم يحضر أحد زملاء الفريق، لا أنزعج فحسب. أتذكر أن للجميع أياماً صعبة. هذا اللطف يبقي الفريق متماسكاً لفترة أطول بكثير مما تفعله أي قواعد صارمة.

النظر إلى الوراء والمضي قدماً
المعيشة في إدنبرة مكلفة، ولم يكن الأمر سهلاً دائماً. اضطررت إلى العمل بدوام جزئي خلال سنتي الأولى لمساعدة في تغطية التكاليف، إذ جاء التضخم في الوقت الذي انتقلت فيه للعيش هناك. كانت عائلتي سندي، تدعمني حتى حين بدا الجبل المالي شاهقاً جداً للتسلق.
هدفي الآن هو أخذ كل ما أتعلمه هنا والعودة به إلى الوطن. أريد المساعدة في بناء منظومة في كوسوفو تكون فيها التعليم والتكنولوجيا مستدامين.
ربما تنبع هذه الإرادة من مراقبة والديّ. حصلت أمي على درجة في علم الأحياء وأسست في نهاية المطاف عملها الخاص المسمى 99 Lule، أي 99 زهرة. لم تبنِ شركة لنفسها أو لعائلتنا فحسب. بل استخدمت خبرتها للاستثمار في نساء أخريات من المناطق الريفية.
أعطتهن الفرصة للعمل في الزراعة على أراضيهن الخاصة حتى يتمكنّ من بيع منتجاتهن والاعتماد على أنفسهن. إن رؤيتها لكيفية استخدام شهادتها لرفع مجتمع بأكمله غيّر نظرتي لتعليمي. علّمني ذلك أن مهاراتي ليست فقط من أجل سيرتي الذاتية. بل هي أدوات لتمكين الأشخاص الذين لم تتح لهم الفرص نفسها التي أتيحت لي.
هذه الفلسفة هي السبب الذي دفعني إلى تأسيس EngineeringHerFuture عام 2023، حيث أنا الرئيسة التنفيذية ومؤسسة المنظمة، وقد أصبحت سريعاً القلب النابض لعملي. نحن لا نتحدث فقط عن التكنولوجيا في نظرية. نحن على أرض الواقع، نعمل مع المتطوعين والسفراء للوصول إلى الفتيات في كل ركن ريفي من كوسوفو.
نريد أن نُظهر لهؤلاء النساء الشابات أن هناك مكاناً لهن في عالم الابتكار. الأمر يتعلق بالإرشاد وفتح أبواب كانت مقفلة من قبل. من أبرز لحظاتنا أننا أخذنا فرقاً إلى TEKNOFEST، وهو مهرجان ضخم للفضاء والتكنولوجيا يُقام في تركيا.
كان العام الماضي معلماً بارزاً لنا. ساعدنا في إرشاد أول فريق نهائي في تاريخ كوسوفو للتنافس في المهرجان. لم يحضروا فقط للمشاركة. بل فازوا في نهاية المطاف بجائزة أفضل عرض تقديمي. رؤيتهم يقفون على ذلك المسرح جعلت كل ما نقوم به في EngineeringHerFuture حقيقياً.
حين تنشأ في كوسوفو، تشعر بارتباط بالأرض يصعب شرحه لأناس لم يعيشوا هناك. هذا الارتباط هو ما يجعلني أمضي قدماً. أريد أن آخذ كل التجربة العملية التي أجمعها في الخارج وأستخدمها لقيادة منظمتي نحو أهداف أكبر. نحن بدأنا للتو، ولا أطيق الانتظار لأرى ما ستبنيه الجيل القادم من نساء كوسوفو.





