خلفيتي
اسمي لير، وتخرجت من المدرسة الثانوية عام 2020. كما يتذكر كثيرون، لم يكن ذلك العام الأفضل للسفر أو إجراء تغييرات كبرى في الحياة. كانت لديّ خطط كبيرة للانتقال إلى الولايات المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا، لكن الجائحة غيّرت كل شيء. انتهى بي الأمر بالبقاء في كوسوفو لإتمام دراستي الجامعية في جامعة بريشتينا.
بنظرة إلى الوراء، أدرك أن هذا التأخير كان في حقيقته نعمة. أتاح لي الوقت لأنضج وأفهم التحديات الحقيقية التي يواجهها مجتمعي، قبل أن أخوض تجربة ثقافة مختلفة تماماً. حين أنهيت بكالوريوسي بامتياز، شعرت بأنني مستعد للخطوة التالية، التي قادتني إلى جامعة بريستول في المملكة المتحدة.
اكتشاف الأفق الجديد للاقتصاد
كثيراً ما يسألني الناس لماذا اخترت مسار الاقتصاد مع علم البيانات تحديداً. بالنسبة لي، كان ذلك يبدو التطور الطبيعي للمجال. لقد غيّرت طريقة جمع البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي جذرياً أسلوب اتخاذ القرارات، سواء في الأعمال أو في الحكومة. أردت أن أكون في طليعة هذا التحول.

كانت بريستول في ذلك الوقت تقدم برنامجاً مشتركاً نادراً نسبياً في أوروبا. لم أعد أدرس النظريات فحسب؛ بل بتُّ أتعلم البرمجة وأستخدم الأدوات الإحصائية لحل مشكلات حقيقية.
وُلد اهتمامي بهذا المجال خلال السنة الثانية من دراستي الجامعية في بريشتينا، حين كنت أتابع دورة في علم البيانات من CERGE-EI في براغ. أثبت لي مرشدون من جامعتي ومن CERGE-EI أن اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات هو مستقبل العالم.
واقع التقديم للجامعات في الخارج
لن أجمّل الأمر: عملية التقديم مجهدة للغاية. ربما تكون أصعب مرحلة في الرحلة بأكملها بسبب حالة الغموض المستمرة. تُعدّ الوثائق، وتجلس لأداء الاختبارات المعيارية، وتتصارع مع جبال من الإجراءات البيروقراطية، وأنت في الوقت ذاته تحاول إنهاء دراستك الحالية. أمر بكل هذا مجدداً الآن في سياق تقديمات الدكتوراه، وقد أحيا في ذاكرتي تلك الذكريات القديمة.
الخطاب الشخصي هو أهم جزء في الملف. عليك أن تشرح ليس فقط ما تريد فعله، بل لماذا يهم، وإلى أين يقودك. في المملكة المتحدة أيضاً، يحرصون كثيراً على رؤية شخصية متكاملة. الدرجات الجيدة هي الحد الأدنى المطلوب، لكن أنشطتك خارج المنهج الدراسي وشخصيتك هي ما يُميزك وسط آلاف المتقدمين الدوليين.
التأقلم مع نظام جديد
حين وصلت أخيراً إلى المملكة المتحدة، لم تكن الصدمة الكبرى ثقافية؛ فقد نشأت وأنا أستمع إلى الهيب هوب والغرايم البريطاني، لذا شعرت بقدر من الألفة. التحدي الحقيقي كان التحوّل الأكاديمي. في كوسوفو نركّز تركيزاً شديداً على الأطر النظرية. نحن بارعون في فهم "الماذا".
في المملكة المتحدة، مستوى التفكير النقدي المطلوب مرتفع بشكل استثنائي. لا يكفي أن تعرف النظرية؛ بل يجب أن تكون قادراً على الحجج لماذا تنجح سياسة ما أو لا تنجح. نظام التقييم أيضاً مختلف تماماً، ويستغرق فصلاً دراسياً أو اثنين لتجد إيقاعك الخاص. وبطبيعة الحال، ثمة الجانب الشخصي. نحن الكوسوفيون شعب دافئ ومتجذّر في قيم الأسرة. تشعر فعلاً بغياب تلك الحميمية حين تكون بعيداً عن الوطن.
العبور إلى الجانب الآخر: التدريس والبحث العلمي
بينما كنت أُتمّ رسالة الماجستير في بريستول، بدأت أبحث عن طرق للبقاء في المملكة المتحدة. تقدّمت بطلب للحصول على وظيفة مساعد بحث وتدريس في Imperial Business School. وهو منصب تنافسي للغاية؛ إذ لا يُوظَّف عادةً إلا شخص أو شخصان لكامل القسم.

أتذكر يوم المقابلة بوضوح، لأن إنذار الطوارئ دوّى في سكني الجامعي في الساعة الثالثة صباحاً. دخلت تلك المقابلة ذات المخاطر العالية وأنا أكاد لا أنام، وكنت أشعر أنني أُفشل تماماً في الإجابة على الأسئلة التقنية المتعلقة بعلم البيانات والبرمجة. ومع ذلك، حصلت على الوظيفة.
حياتي الآن مزيج من عالمين. نصف وقتي أدعم فيه الأساتذة، وأقود الحلقات الدراسية، وأصحح الامتحانات. والنصف الآخر بحث علمي خالص: جمع البيانات وإجراء التحليلات الإحصائية لأوراق بحثية تُنشر في نهاية المطاف. من المُجزي للغاية أن ترى الجانب الآخر من المنصة.
نصيحتي للطلاب في الوطن
إن كنت تجلس الآن في فصل دراسي تحلم بالدراسة في الخارج، فإن أهم نصيحة أقدّمها لك هي: ابدأ مبكراً. لا تنتظر اللحظة الأخيرة لتبحث عن المنح الدراسية. استطعت تمويل دراستي من خلال مدخرات شخصية ومنحة Think Big في بريستول، غير أن تلك الفرص لها مواعيد تقديم مبكرة.
أعتقد أيضاً أن كثيراً من الطلاب يعانون من نوع من الشعور بعدم الكفاءة. نرى هذه المؤسسات العالمية المرموقة ونظن أننا لا ننتمي إليها. لكنني بعد أن عملت في Imperial، أستطيع أن أقول لك: طلابنا بالقدر ذاته من الكفاءة.
الحدود موجودة في أذهاننا في معظمها. إن كانت لديك الرغبة في تعلّم الأدوات، خاصة الآن وقد جعل الذكاء الاصطناعي المعلومة في متناول الجميع، فلا سبب يمنعك من النجاح في لندن أو نيويورك أو في أي مكان آخر. خطتي أن آخذ في نهاية المطاف كل ما تعلمته هنا وأعود به إلى الوطن، لأساهم في تعليم الجيل القادم في كوسوفو. ذاك هو الهدف الأسمى.



