خلفيتي
مرحبًا، اسمي دوينا، وقد تخرجت مؤخرًا من ثانوية “Ion Creangă” في جمهورية مولدوفا. كنت دائمًا شخصة فضولية ولم يكن لدي شغف واحد فقط. اهتممت دائمًا بأشياء كثيرة ومختلفة: الرقص، والعزف على الغيتار، وكتابة المقالات والشعر، والغناء، والرياضة خصوصًا (الكرة الطائرة، وكرة السلة، والتشجيع الحماسي، وألعاب القوى). ولوقت طويل تساءلت هل كثرة اهتماماتي نقطة ضعف أم نقطة قوة. أما اليوم فأراها من أكبر مزاياي. فكل نشاط من هذه الأنشطة علّمني شيئًا مختلفًا. علّمتني الرياضة الانضباط والعمل الجماعي، وعلّمتني الأنشطة الإبداعية كيف أعبّر عن نفسي وأفكر بطريقة مختلفة، وعلّمني الانخراط في بيئات متنوعة كيف أتواصل وأرتاح مع أشخاص يختلفون عني.
الأنشطة اللاصفية
بدأت رحلتي مع العمل التطوعي حين كنت في الخامسة عشرة تقريبًا. في نهاية الصف الثامن انضممت إلى مجلس الطلبة في مدرستي عضوةً فيه. وما بدا في البداية نشاطًا لاصفيًا بسيطًا تحوّل سريعًا إلى واحدة من أكثر التجارب تشكيلًا لي في سنوات مراهقتي. من خلال مجلس الطلبة تعلمت أن الانتماء إلى مجتمع ما يعني أيضًا تحمّل المسؤولية تجاهه. شاركت في أنشطة تهدف إلى تحسين الحياة المدرسية، وصرت في النهاية نائبة رئيس مجلس الطلبة.
ومن التجارب التي غيّرت نظرتي كثيرًا برنامج تبادل ثقافي في سويسرا، بدعم من مؤسسة Pestalozzi Children's Foundation. قضيت ثلاثة أسابيع في بيئة دولية اضطررت فيها إلى الخروج من منطقة راحتي، والتواصل باللغة الإنجليزية، والتعرّف إلى شباب من بلدان مختلفة، ومناقشة موضوعات مثل الثقافة وحقوق الطفل ودور الشباب في صناعة التغيير الإيجابي. أرتني هذه التجربة أن اختلاف الثقافات والخلفيات لا يجب أن يفرّق بين الناس، بل يمكن أن يصبح فرصة لنتعلم من بعضنا.
بعد عودتي إلى الوطن ازداد انخراطي في المبادرات الشبابية. فقد أُعلنت مدينتي أونغيني (Ungheni) عاصمةً للشباب في مولدوفا عام 2023، ما أتاح فرصًا كثيرة للشباب للمشاركة في التطوع والمشاريع المجتمعية. واهتممت بشكل خاص بأهمية تمثيل الطلاب ومشاركة الشباب في صنع القرار. وامتد نشاطي أيضًا إلى المستوى الوطني. فبصفتي مدرّبة وطنية في Y-PEER Moldova، وجدت نفسي أقدّم جلسات وأناقش مع شباب آخرين موضوعات حساسة لكنها ضرورية، منها التربية الجنسية والصحة النفسية والتنمر والمناصرة. ثم أصبحت لاحقًا سفيرة لخط مساعدة الطفل (Child Helpline) ضمن مشاريع تدعمها هيئة الأمم المتحدة للمرأة واليونيسف، ومتطوعة في الصليب الأحمر، ومتطوعة في American Spaces. عزّزت هذه التجارب مهاراتي في التواصل والقيادة، لكنها الأهم من ذلك علّمتني أن المعرفة لا تصبح ذات قيمة حقيقية إلا حين نشاركها مع الآخرين.
عام في الولايات المتحدة مع برنامج FLEX
وفي الوقت نفسه بقيت مركّزة بقوة على دراستي، وشاركت في مسابقات إقليمية ووطنية. في الصف العاشر تقدمت إلى برنامج FLEX واجتزت بنجاح جميع مراحل الاختيار. ونتيجة لذلك أتيحت لي في العام التالي فرصة قضاء سنة دراسية في الولايات المتحدة طالبةَ تبادل. عشت مع أسرة أمريكية مضيفة ودرست في مدرسة ثانوية أمريكية، على بُعد نحو 10,000 كيلومتر من بيتي.
كانت تجربة FLEX نقطة تحول في حياتي. فأن أكون مستقلة تمامًا في بلد جديد جعلني أدرك أنني قادرة على أكثر بكثير مما تخيلت. صرت أكثر ثقة ومسؤولية، وتعلمت أن أسعى إلى الفرص بنفسي بدل انتظارها. وعلى مدى 10 أشهر أرهقت نفسي في العمل؛ فقد كنت عضوة في 4 فرق رياضية، وأنجزت أكثر من 100 ساعة من الخدمة المجتمعية، وحافظت على معدلي التراكمي (GPA) عند 4.0، وأُدرج اسمي في قائمة High Honor Roll في نهاية العام. والأهم من ذلك أن الدراسة في مدرسة أمريكية عرّفتني على فلسفة تعليمية مختلفة وأتاحت لي اكتشاف مجال سيؤثر في النهاية على مسيرتي المهنية.
قبل السفر إلى الولايات المتحدة كنت أفكر في دراسة العلاقات الدولية. لكن خلال عام التبادل أتيحت لي فرصة دراسة الاقتصاد. واكتشفت أنني أستمتع حقًا بفهم كيفية عمل الأسواق والشركات والأنظمة الاقتصادية. وقد جعل اهتمامي بالرياضيات والتفكير التحليلي هذا المجال جذابًا بالنسبة لي بشكل خاص. وساعدتني تلك التجربة على اتخاذ قرار مهم: أردت دراسة اقتصاد الأعمال الدولي وبناء مسيرة مهنية دولية.
عندما عدت إلى مولدوفا واصلت مشاركتي في مجتمع خريجي FLEX، فساعدت في الترويج للبرنامج وشجّعت شبابًا آخرين على السعي وراء فرص مماثلة. كما أصبحت سنتي الأخيرة في الثانوية فترة ركّزت فيها بشكل خاص على أهدافي الدراسية.
وإن سُئلت ما الذي جمع كل هذه التجارب في النهاية وقادني إلى الحصول على منحة دراسية، فسأشير إلى عامي في الولايات المتحدة. هناك اكتشفت ليس فقط ما أريد دراسته، بل أيضًا لماذا أريد دراسته.
لماذا قررت الدراسة في الخارج؟
لم يكن قراري بمتابعة دراستي الجامعية في الخارج قرارًا عفويًا. فقد كنت أفكر فيه منذ الصف التاسع تقريبًا، حين بدأت أدرك مدى أهمية أن أتحدى نفسي وأخرج من البيئة التي أعرفها.
مولدوفا هي بيتي، وبطبيعة الحال هي المكان الذي أشعر فيه بأكبر قدر من الراحة. أعرف اللغة والثقافة والنظام التعليمي وكثيرًا من الناس حولي. أعرف كيف أتدبر أمري في هذه البيئة، وأعرف إلى من ألجأ حين أحتاج إلى الدعم. لكنني أدركت تدريجيًا أن البقاء ضمن ما هو مألوف فقط لن يتيح لي بالضرورة اكتشاف الحدود الكاملة لإمكاناتي.
وقد كان لتجربتي في الولايات المتحدة دور حاسم في ترسيخ هذه القناعة. فالعيش على بُعد آلاف الكيلومترات عن البيت والتكيّف مع بيئة تعليمية واجتماعية مختلفة تمامًا أظهرا لي أنني قادرة على الاعتماد على نفسي وتجاوز المواقف غير المألوفة. وتعلمت أن الابتعاد عن الأشخاص والبيئات التي اعتدت الاتكال عليها يتطلب نضجًا واستعدادًا لتحمّل مسؤولية قراراتي.
غيّرت تلك التجربة فهمي لفكرة الراحة. أدركت أن النمو نادرًا ما يحدث حين يكون كل شيء متوقعًا. أحيانًا علينا أن نضع أنفسنا عمدًا في بيئات تتحدانا، وتفرض علينا أن نتعلم أسرع، وأن نصبح مسؤولين عن تقدمنا. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتني إلى مواصلة تعليمي الجامعي في الخارج. فأنا لا أرى الدراسة في بلد آخر مجرد وسيلة للحصول على شهادة دولية، بل أراها فرصة لأنمّي نفسي شخصًا مستقلًا.
هناك مبدأ أؤمن به بشدة: الألماس يتكوّن تحت الضغط.
ولا أفهم ذلك على أنه اعتقاد بأن الحياة يجب أن تكون صعبة دائمًا، بل تذكير بأن التحديات قد تكشف صفات لا تتطلب الراحة منا أبدًا أن نطورها. وبالنسبة لي، فإن صعوبات التأقلم مع بلد جديد ليست عقبات تقف بيني وبين النجاح، بل هي جزء من العملية التي ستعدّني له. قد تكون الدراسة في الخارج، بلا شك، مرهقة وغير مألوفة، وفي بعض الأحيان مُنهِكة. لكنها بالنسبة لي فرصة لدفع حدودي وبناء أساس أقوى لمستقبلي.
أريد أن أكون محاطة بأشخاص يتحدّون طريقة تفكيري، وأن أتعرض لوجهات نظر مختلفة، وأن أكون في بيئة يكون فيها التعاون الدولي جزءًا من الحياة اليومية.
لذلك فإن الدراسة في المجر استثمار مقصود في مستقبلي. أؤمن بأن التعليم والخبرة الدولية اللذين أكتسبهما هنا سيمنحانني منظورًا أوسع ويفتحان لي أبوابًا لفرص تتجاوز بلدًا واحدًا أو بيئة مهنية واحدة. وفي النهاية، اخترت الدراسة في الخارج لأنني لا أريد أن أحدد إمكاناتي بحدود ما هو مألوف. أريد أن أكتشف إلى أي مدى يمكنني أن أصل حين أكون مستعدة للتكيف وتحدي نفسي باستمرار.
كيف تقدمت إلى منحة Stipendium Hungaricum
عرفت بمنحة Stipendium Hungaricum من إحدى صديقاتي، وهي عضوة في مجتمع خريجي FLEX، وكانت حينها طالبة في سنتها الأولى في المجر. وبعد أن قضيت سنة الصف الحادي عشر في الولايات المتحدة طالبةَ تبادل في FLEX، كنت أعلم أنني أريد مواصلة تعليمي في الخارج، وأصبحت المجر أحد الخيارات التي فكرت فيها. وإضافة إلى ذلك، أتيحت لي في عام 2023 فرصة زيارة بودابست، ومنذ ذلك الحين وهي في قلبي.
في شهر نوفمبر تقدمت إلى منحة Stipendium Hungaricum. كنت أعلم أن الحصول على منحة كهذه يتطلب لا أداءً أكاديميًا جيدًا فحسب، بل أيضًا إحساسًا واضحًا بالهدف ودليلًا على أنني أستطيع الإسهام في بيئة أكاديمية دولية.
تقدمت لدراسة اقتصاد الأعمال الدولي لأنني كنت مهتمة بالرياضيات منذ الصف الثامن، ومع مرور الوقت بدأت أزداد فضولًا تجاه البيئة الدولية. تخرجت بمعدل تراكمي (GPA) قدره 9.89 من 10 وحصلت على أربع درجات 10 في امتحانات البكالوريا، وكان ذلك محطة مهمة في مسيرتي الأكاديمية. كما كانت لدي شهادة Cambridge English (مستوى B2).
وكان من الأجزاء المهمة أيضًا خطاب الدافع الخاص بي، الذي شرحت فيه لماذا اخترت اقتصاد الأعمال الدولي وربطته بتجاربي السابقة، ومنها دراسة مقرر الاقتصاد في الولايات المتحدة وإطلاق مشروع تجاري صغير عبر الإنترنت حين كان عمري 15 عامًا.
بعد تقديم طلبي، وموعده عادةً في منتصف يناير، عبر المنصة الإلكترونية الرسمية (Stipendium Hungaricum Application Portal)، مررت بعملية الترشيح والقبول الجامعي التي تضمنت مقابلة واختبارًا في الرياضيات. وتُجرى هذه عادةً بين أواخر مارس ومنتصف أبريل، لكن التوقيت الدقيق يختلف حسب الجامعة. وقد استعددت لأسئلة عن سبب اختياري للمجر، ولماذا هذا التخصص، وتجاربي السابقة، وأهدافي المستقبلية.
وفي النهاية حصلت على منحة Stipendium Hungaricum، وأنا الآن أدرس اقتصاد الأعمال الدولي في بودابست. وعند النظر إلى الوراء، أعتقد أن أهم جزء في طلبي كان إظهار صلة واضحة بين إنجازاتي الأكاديمية وأنشطتي اللاصفية وخبرتي الدولية والمجال الذي أردت دراسته.
عن منحة Stipendium Hungaricum
تقدم منحة Stipendium Hungaricum ما يلي:
- تغطية كاملة للرسوم الدراسية، أي أنك لا تدفع شيئًا مقابل دراستك الجامعية؛
- راتبًا شهريًا قدره 43,700 فورنت مجري (HUF) (نحو 110 يورو) للمساعدة في تغطية المصاريف اليومية؛
- سكنًا جامعيًا مجانيًا أو مساهمة شهرية قدرها 40,000 فورنت مجري (HUF) (نحو 100 يورو) في تكاليف السكن (في حالتي، لا توفر BUEB سكنًا جامعيًا، لكن من الشائع جدًا استئجار غرفة في شقة مشتركة مع طلاب آخرين)؛
- تأمينًا صحيًا خلال دراستك في المجر.
لكن من المهم أن تضع في اعتبارك أن بودابست قد تكون مكلفة جدًا، خاصة فيما يتعلق بالسكن الخاص والبقالة والمواصلات والأنشطة الاجتماعية. توفر المنحة دعمًا ماليًا، لكنها قد لا تكفي لتغطية جميع مصاريفك الشهرية، خصوصًا إن اخترت استئجار غرفة أو شقة خاصة. وفي الوقت نفسه، للحياة الطلابية في بودابست مزايا كثيرة. فببطاقة طالب سارية يمكنك الاستفادة من خصومات كبيرة على المواصلات العامة والمتاحف والأنشطة الثقافية وخدمات أخرى متنوعة. لهذا السبب، عند التخطيط لدراستك في المجر، من المهم أن تفكر في توفير مصدر تمويل إضافي أو مدخرات شخصية إلى جانب المنحة. فهذا سيسهّل عليك تغطية المصاريف الإضافية والاستمتاع بالحياة الطلابية دون الاعتماد كليًا على الراتب الشهري.
لماذا اخترت BUEB؟
اخترت جامعة بودابست للاقتصاد والأعمال (Budapest University of Economics and Business، أو BUEB) لأنها توافقت مع اهتماماتي الأكاديمية وأهدافي المهنية المستقبلية معًا. أردت دراسة اقتصاد الأعمال الدولي، فقد كنت دائمًا مهتمة بكيفية عمل الشركات عبر بلدان مختلفة.
وكان من الأسباب المهمة الأخرى النهج العملي للجامعة في التعليم. كنت أبحث عن برنامج أستطيع فيه تنمية مهارات يمكنني فعلًا استخدامها في عالم الأعمال، وليس دراسة النظريات فقط.
كما كان الموقع ميزة كبيرة. فبودابست مدينة دولية وصديقة للطلاب، ما يتيح لي فرصة التعرف إلى أشخاص من بلدان مختلفة وبناء شبكة علاقات دولية أثناء دراستي.
وبوجه عام، اخترت BUEB لأنها قدمت المزيج الذي كنت أبحث عنه: اقتصاد الأعمال الدولي، وتعليمًا عمليًا، وبيئة دولية، وفرصة للدراسة في بودابست. وبالنسبة لي، ليست بودابست مجرد المكان الذي أنال فيه شهادتي. إنها البيئة التي أبني فيها الاستقلالية والمنظور الدولي اللذين آمل أن يحددا مسيرتي المهنية المستقبلية.
خواطر أخيرة
هدفي بعيد المدى هو الجمع بين الأعمال الدولية والتعليم والتعاون بين الثقافات. أود أن أستفيد من المعرفة ووجهات النظر التي أكتسبها في الخارج للإسهام في تطوير الفرص التعليمية للشباب في مولدوفا، وخاصة للنساء. أظهرت لي تجربتي في الولايات المتحدة كم يمكن أن تكون التجربة التعليمية الدولية محوّلة، خصوصًا لشاب أو شابة ما زالا يكتشفان إمكاناتهما. وأنا متحمسة للمساعدة في خلق فرص مماثلة للآخرين وتشجيع الشباب على الاستكشاف خارج التوقعات والقيود التي قد تحيط بهم.
علّمتني رحلتي أن النجاح لا يعني بالضرورة أن تكون مثاليًا في شيء واحد. بل يعني أن تكون فضوليًا بما يكفي لتستكشف، وشجاعًا بما يكفي لتخرج من منطقة راحتك، ومنضبطًا بما يكفي لتواصل التعلم، ومنفتح الذهن بما يكفي لتسمح لتجاربك بأن تغيّرك.
لذلك فإن هذه المنحة بالنسبة لي ليست الإنجاز الأخير في رحلتي، بل بداية فصل جديد. أؤمن بأن الفرص يمكن أن تغيّر حياة الإنسان، لكن الأهم هو ما يختار أن يفعله بتلك الفرص. وأنوي أن أستخدم فرصتي لمواصلة بناء علاقات دولية ذات معنى، ولخلق فرص للآخرين في النهاية.
وقبل كل شيء، تعلمت أن أتبع تطلعاتي الخاصة بدل أن أتبع ببساطة ما يتوقعه الآخرون مني. وأعتقد أن من أهم ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يكتشف طريقه الخاص ويملك الشجاعة ليسير فيه. لقد قادني هذا المبدأ من أول تجربة تطوعية لي إلى الدراسة في الخارج، وما زال يرشد المستقبل الذي أبنيه اليوم.



